محمد متولي الشعراوي
2924
تفسير الشعراوى
وهم يئسوا من أن يكتم المسلمون ما أنزل اللّه ، بدليل أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يأتي بحكم في شئ ، ثم يغير اللّه ذلك الحكم ، فلا يستحى رسول اللّه أن يبلغ : أن الحكم الذي قلته لكم قد غيره اللّه لي . وهل يستنكف أن يعدل اللّه له ؟ وهذا دليل على أمانة البلاغ عن اللّه ؛ لذلك يئس الكافرون بألوانهم المختلفة من أن ينسى المؤمنون حظا مما ذكروا به ؛ لأن تسجيل القرآن كان أمينا بصورة لا نهاية لها ، وظل القرآن مكتوبا في السطور ومحفوظا في الصدور . والحق يعلن عن يأس الكفار من مشركين وأهل كتاب بقوله : « الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ » يئسوا لأن المراحل التي مرت بالكتب السابقة لن تمر بهذا الدين . وقد توهم أهل الكتاب أن الإسلام سيمر بما طرأ عليهم ، وظن بعضهم أن المسلمين سيصيرون إلى ما صار إليه أهل الكتاب من ترك لدينهم وإهدار له . وكذلك ظن بعض كفار قريش أن المسلمين سيصيرون إلى ما صار إليه أهل الكتاب ، فقد كانت عندهم التوراة وهم مع ذلك لا يتبعون كتابهم ، فيرد الحق على كل هؤلاء : اليوم يئس الذين كفروا من دينكم » . وقوله : « اليوم » يعنى الزمان الذي مضى والزمان المستقبل ، فقد أتم اللّه دين الإسلام ورضيه لنا وفتحت مكة للمسلمين ودخل الناس في دين اللّه أفواجا . وصار القرآن مكتوبا ومحفوظا . وبذلك تأكد يأس الكافرين والمشركين أن ينسى القرآن أو أن يكتم القرآن ؛ لأن من أنزل عليه الكتاب ، كان إذا جاء أمر يتعلق به فهو يقوله . وعندما مال قلب المسلمين ذات مرة إلى تبرئة المسلم الذي سرق وأن تلصق التهمة باليهودي البرىء ، هنا نزل من القرآن قوله : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ( 105 ) ( سورة النساء ) لقد أمر الحق أن يكون النبي هو الحكم العدل حتى ولو كان حكما ضد مسلم . ويأمر الحق رسوله أن يستغفر اللّه إن كان قد ألم به خاطر أن ينصر المسلم الخائن على اليهودي الذي لم يسرق ، إنها سماحة دين الإسلام .